فخر الدين الرازي

241

القضاء والقدر

والخير . فإن كان الأول فقد أجبره اللّه تعالى على الشر . وذلك يناقض الاعتزال . وإن كان الثاني فحينئذ لا تترجح فاعلية الشر على فاعلية الخير ، إلا لمرجح من قبل اللّه تعالى - على ما قررناه مرارا وأطوارا - فحينئذ يلزم الجبر - فكيف يستعاذ من الشيطان ؟ . الرابع : إن كان الفعل المستعاذ منه : معلوم الوقوع . فهو واجب الوقوع . وإن كان معلوم اللاوقوع ، فهو ممتنع الوقوع . وعلى التقديرين فلا فائدة في الاستعاذة . الخامس : إنا إذا قلنا : ضلال الكافر والفاسق ، إنما حصل من وسوسة الشيطان . فإن قلنا : إن ضلال الشيطان ، إنما حصل من شيطان آخر . لزم التسلسل . وهو محال . وإن قلنا : حصل من قبل نفسه ، فهو باطل من وجهين : الأول : إنا إذا قلنا ذلك ، فلم لا نقول : إن ضلال الكافر والفاسق إنما حصل من قبل نفسه ، لا من قبل الشيطان ؟ وحينئذ تكون الاستعاذة من الشيطان عبثا . الثاني : إن المكلف لا يرضى لنفسه البتة باختيار الجهل والكفر ، إلا إذا قيل : إنه إنما اختار ذلك ، لأنه ظن أن ذلك الاعتقاد : علم . لأنه على هذا التقدير لا يمكنه اختيار هذا الجهل ، إلا لسبق جهل آخر . ولا يتسلسل بل ينتهي إلى جهل أول . وحينئذ يعود السؤال في كيفية حصوله . فثبت : أن ضلال ذلك الشيطان إنما حصل بإضلال اللّه تعالى ، وحينئذ تقبح الاستعاذة باللّه من الشيطان ، على هذا التقدير . وإلى هذا التحقيق الإشارة بقوله تعالى : هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا . أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا « 1 » يعني : إن كانت غوايتهم منا ، فغوايتنا ممّن . فالذي أغوانا هو الذي أغوى الكل . الوجه السادس في بيان أن الاستعاذة من الشيطان غير معقولة : إن الحدقة السليمة إذا صارت مقابلة للمرئي ، وكان ذلك المرئي قريبا ، والشرائط حاضرة ، والموانع زائلة . فعند اجتماع هذه الأمور يجب حصول الإدراك . وحصول الإدراك مستلزم للعلم بماهيّة المدرك . والعلم بماهية المدرك يوجب العلم بكونه نافعا أو ضارا أو خاليا عنهما . والعلم بكونه نافعا خاليا عن المعارض يوجب الميل إلى تحصيله . والعلم بكونه ضارا خاليا عن المعارض يوجب النفرة عنه . والميل الجازم يوجب الفعل والنفرة توجب الترك . فترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبله ترتب ضروري ذاتي ، ولا عمل للشيطان فيه . لأن الواجب بذاته لا يصير واجبا بغيره . وثبت : أنه لا تأثير لعمل الشيطان في مرتبة من هذه المراتب . فكيف يستعاذ باللّه منه ؟ بقي أن يقال : لم لا يجوز أن يقال : إن الشيطان ألقى كلاما في خاطر الإنسان وذكره صورة أمر ، بعد أن كان غافلا ؟ لكنا نقول : صدور هذا التذكير عن الشيطان ، لا بد فيه من المراتب الأربعة المذكورة . فإن كان ذلك الإدراك إنما حصل في قلب ذلك الشيطان ، لأن شيطانا آخر ذكره ، لزم التسلسل . وإن

--> ( 1 ) سورة القصص الآية 63 .